صديق الحسيني القنوجي البخاري
16
فتح البيان في مقاصد القرآن
فَإِنْ آنَسْتُمْ أبصرتم ورأيتم ، ومنه قوله آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً [ القصص : 29 ] قال الأزهري : تقول العرب اذهب فاستأنس هل ترى أحدا معناه تبصر ، وقيل : هو هنا بمعنى وجد وعلم أي فإن وجدتم وعلمتم . مِنْهُمْ رُشْداً بضم الراء وفتحها قيل هما لغتان ، واختلف أهل العلم في معنى الرشد ههنا فقيل الصلاح في العقل والدين ، وقيل في العقل خاصة ، قال سعيد بن جبير والشعبي : انه لا يدفع إلى اليتيم ماله إذا لم يؤنس رشده وإن كان شيخا ، قال الضحاك : وإن كان بلغ مائة سنة . وجمهور العلماء على أن الرشد لا يكون إلا بعد البلوغ ، وعلى أنه إن لم يرشد بعد بلوغ الحلم لا يزول عنه الحجر ، وقال الإمام أبو حنيفة رحمه اللّه تعالى : لا يحجر على الحر البالغ وإن كان أفسق الناس وأشدهم تبذيرا ، وبه قال النخعي وزفر . وظاهر النظم القرآني أنها لا تدفع إليهم أموالهم إلا بعد بلوغ غاية هي بلوغ النكاح مقيدة هذه الغاية بإيناس الرشد ، فلا بد من مجموع الأمرين ، فلا تدفع إلى اليتامى أموالهم قبل البلوغ وإن كانوا معروفين بالرشد ، ولا بعد البلوغ إلا بعد إيناس الرشد منهم ، والمراد بالرشد نوعه وهو المتعلق بحسن التصرف في أمواله وعدم التبذير بها ووضعها في مواضعها . فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ من غير تأخير إلى حد البلوغ وَلا تَأْكُلُوها أيها الأولياء إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا الإسراف في اللغة الإفراط ومجاوزة الحد بغير حق ، وقال النضر بن شميل : السرف التبذير ، والبدار المبادرة أي لا تأكلوا أموال اليتامى أكل إسراف وأكل مبادرة لكبرهم أو لا تأكلوا لأجل السرف ولأجل المبادرة أو لا تأكلوها مسرفين ومبادرين لكبرهم ، وتقولوا ننفق أموال اليتامى فيما نشتهي قبل أن يبلغوا فينزعونها من أيدينا . وَمَنْ كانَ من الأولياء غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ أي يعف عن مال اليتيم ويمتنع من أكله وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ منه بِالْمَعْرُوفِ بيّن سبحانه ما يحل لهم من أموال اليتامى ، فأمر الغني بالاستعفاف وتوفير مال الصبي عليه وعدم تناوله منه ، وسوغ للفقير أن يأكل بالمعروف . واختلف أهل العلم فيه ما هو فقال قوم هو القرض إذا احتاج إليه ، ويقضي متى أيسر اللّه عليه ، وبه قال عمر بن الخطاب وابن عباس وعبيدة السلماني وابن جبير والشعبي ومجاهد وأبو العالية ومقاتل والأوزاعي وأبو وائل ، وقال النخعي وعطاء والحسن وقتادة : لا قضاء على الفقير فيما يأكل بالمعروف ، وبه قال جمهور الفقهاء وهذا بالنظم القرآني ألصق فإن إباحة الأكل للفقير مشعرة بجواز ذلك له من غير فرض .